ابن أبي الحديد
61
شرح نهج البلاغة
الأصل : أيها الناس ، إن الدنيا تغر المؤمل لها ، والمخلد إليها ، ولا تنفس بمن نافس فيها ، وتغلب من غلب عليها . وأيم الله ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها ، لان الله ليس بظلام للعبيد . ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم ، وتزول عنهم النعم ، فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ، ووله من قلوبهم ، لرد عليهم كل شارد ، وأصلح لهم كل فاسد . وإني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة ، وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة ، كنتم فيها عندي غير محمودين ، ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء . وما على إلا الجهد ، ولو أشاء أن أقول لقلت : عفا الله عما سلف ! * * * الشرح : المخلد : المائل إليها ، قال تعالى : ( ولكنه أخلد إلى الأرض ) ( 1 ) . ولا تنفس بمن نافس فيها : لا تضن به ، أي من نافس في الدنيا فإن الدنيا تهينه ولا تصن به ، كما يضن بالعلق النفيس . ثم قال : ( وتغلب من غلب عليها ) ، أي من غلب على الدنيا مقاهرة فسوف تغلبه الدنيا وتهلكه . ثم أقسم إنه ما كان قوم في غض نعمة أي في نعمة غضة ، أي طرية ناضرة ، فزالت عنهم
--> ( 1 ) سورة الأعراف 176 .